ابن عجيبة
508
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
وكحل ، وزرنيخ ، وشب ونورة ، وجص ، وجوهر ، إلا منخالة الذهب والفضة والرصاص . وقال الشافعي : لا يجوز إلا بالتراب المنبت خاصة ، وبه فسر الطيب ، واشترط علوق التراب بيده ، ولم يشترطه غيره . ثم علّم الكيفية فقال : فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ . قال مالك : اليد اسم للكف بدليل قطع السارق منه ، فجعل المسح إلى المرفق سنة . وقال الشافعي : فرض ، قياسا على الوضوء ، إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً فلذلك يسّر عليكم ورخص لكم في التيمم . الإشارة : يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا صلاة الحضرة القدسية ، وأنتم سكارى بحب الدنيا الدنية ، حتى يذهب عنكم سكر حبها ، وتعلموا ما تقولون في مناجاة خالقها ، ولا جنبا من جنابة الغفلة ، إلا ما يمر بالخواطر على سبيل الندرة والقلة ، حتى تغتسلوا بماء الغيب ، الذي يحصل به طهارة الجنان ، ويغيب المتطهر به عن رؤية الأكوان . وإليه أشار ابن العربي الحاتمي : كما في طبقات الشعراني ، ونسبها غيره للجنيد - رضي الله عنهم أجمعين - وهو الأصح ، بقوله : توضّأ بماء الغيب إن كنت ذا سرّ * وإلّا تيمّم بالصّعيد أو الصّخر وقدّم إماما كنت أنت إمامه * وصلّ صلاة الظّهر في أول العصر فهذى صلاة العارفين بربّهم * فإن كنت منهم فانضح البرّ بالبحر . أي : إن لم تقدر على الطهارة الأصلية ؛ وهي الغيبة عن الأحداث الكونية ، فاقصد العبادة الحسية ، وقدّم الشريعة أو من قام بها من أهل التربية النبوية أمامك ، بعد أن كان يطلبك قبل أن تعرفه ، واجمع ظهر الشريعة لعصر الحقيقة ، فهذه صلاة العارفين ، فإن كنت منهم فانضح برّ ظاهرك بحقيقة باطنك ، فما كمن في غيب السرائر ظهر في شهادة الظواهر . لهذا أشار تعالى بقوله : ( وإن كنتم مرضى ) بحب الهوى ، ( أو على سفر ) في عجلة شغل الدنيا ، أو جاء أحد منكم من غائط الحس ، أو لامستم العلوم الرسمية ، وانطبع صور خيالها في قلوبكم ، ولم تجدوا من يسقيكم ماء الغيب ، وهي الخمرة الأزلية ، فاقصدوا الأعمال الحسية ، فلعلها توصلكم إلى الأعمال الباطنية ، ( إن الله كان عفوا غفورا ) ، وفي الحكم : « كيف يشرق قلب صور الأكوان منطبعة في مرآته ؟ أم كيف يرحل إلى الله وهو مكبل بشهواته ، أم كيف يطمع أن يدخل حضرة الله وهو لم يتطهر من جنابة غفلاته ؟ أم كيف يرجو أن يفهم دقائق الأسرار وهو لم يتب من هفواته ؟ » .